ابن خلكان
237
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فقال لي : يا معمر ، بلغني أن عندك كتابا حسنا في صفة الخيل أحب أن أسمعه منك ، فقال الأصمعي : وما تصنع بالكتب ؟ يحضر فرس ونضع أيدينا على عضو عضو منه ونسميه ونذكر ما فيه ، فقال الرشيد : يا غلام ، فرس ، فأحضر فرس « 1 » فقام الأصمعي فجعل يضع يده على عضو عضو منه ويقول : هذا كذا ، قال فيه الشاعر كذا ، حتى انقضى قوله ، فقال لي الرشيد : ما تقول فيما قال ؟ فقلت : أصاب في بعض وأخطأ في بعض ، والذي أصاب فيه منّي تعلمه ، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به . وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه كتاب « المجاز » ، فقال : يتكلم في كتاب اللّه تعالى برأيه ؛ فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو ، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقته ، فتزل عن حماره وسلم عليه ، وجلس عنده وحادثه ثم قال له : أبا سعيد ، ما تقول في الخبز ، أي شيء هو ؟ فقال : هو الذي تخبزه وتأكله ، فقال أبو عبيدة : فقد فسرت كتاب اللّه تعالى برأيك ، فإن اللّه تعالى قال وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ( يوسف : 26 ) فقال الأصمعي : هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسره برأيي ، فقال أبو عبيدة : والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا ، وقام فركب حماره وانصرف . وزعم الباهلي صاحب كتاب « المعاني » أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر ، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر ، لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لرديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبح ، وإن الفائدة عنده مع ذلك قليلة ، وإن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمة ، ولم يكن أبو عبيدة يفسر الشعر . وقال المبرد : كان أبو زيد الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو ، وكانا بعده يتقاربان ، وكان أبو عبيدة أكمل القوم ، وكان علي بن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة ويصحح روايته ، وقال : كان لا يحكي عن العرب إلا الشيء
--> ( 1 ) ق : يا غلام أحضر فرسا فأحضر فرسا . . الخ .